عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

263

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

ولا أريد بلفظ المحل الحلول ولا التشبيه ولا الجهة ، بل أريد به أنهم محلّ ظهور الحق تعالى بإظهار آثار أسمائه وصفاته فيهم وعليهم ، فهم المخاطبون بأنواع الأسرار ، وهم المصطفون لما وراء الأستار ، وجعل اللّه قواعد الدين بل قواعد جميع الأديان مبنية على أرض معارفهم ، فهي ملآنة من أنواع اللطائف لهم ، لا يعرفها إلا هم ، فكلامه سبحانه وتعالى عبارات لهم فيها إلى الحقائق إشارة ، ولأمره وتعبداته رموز ، لهم عندها من المعارف الإلهية كنوز ، ينقلهم الحق بمعرفة ما وصف لهم من مكانة إلى مكانة ، ومن حضرة إلى حضرة ، ومن علم إلى عيان ، ومن عيان إلى تحقق إلى حيث لا أين ، فجميع الخلق لهم كالآلة حمال لتلك الأمانات التي جعلها اللّه تعالى ملكا لهذه الطائفة ، فهم يحملون الأمانة مجازا إليهم ، وهؤلاء يحملونها حقيقة للّه تعالى ، فهم محل المخاطبة من كلام اللّه تعالى ومورد الإشارات ومجلى البيان ، والباقون ملحقون بهم على سبيل المجاز ، فهم عباد اللّه الذين يشربون من صرف الكافور ، والباقون يخرج لهم من ذلك العين فكل على قدر كأسه قال اللّه تعالى : إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً ، عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً « 1 » فعباد اللّه مع اللّه على الحقيقة ، والأبرار مع اللّه على المجاز ، والباقون مع اللّه على التبعية والحكم على الحقيقة ، فالكل مع اللّه كما ينبغي للّه ، والكل عباد اللّه ، والكل عباد الرحمن ، والكل عباد الرب . ثم اعلم أن اللّه تعالى جعل مطلق أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم على سبع مراتب : المرتبة الأولى : الإسلام . المرتبة الثانية : الإيمان . المرتبة الثالثة : الصلاح . المرتبة الرابعة : الإحسان . المرتبة الخامسة : الشهادة . المرتبة السادسة : الصديقية . المرتبة السابعة : القربة . وما بعد هذه المرتبة إلا النبوّة ، وقد انسدّ بابها بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم . ثم إن الإسلام مبني على خمسة أصول : الأول : شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه . الثاني : إقامة الصلاة . الثالث : إيتاء الزكاة . الرابع : صوم رمضان . الخامس : الحج إلى بيت اللّه الحرام . لمن استطاع إليه سبيلا . وأما الإيمان فمبني على ركنين : الركن الأول : التصديق اليقيني بوحدانية اللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، والقدر خيره وشرّه من اللّه تعالى ، وهذا التصديق اليقيني هو عبارة عن سكون القلب إلى تحقيق ما أخبره به من الغيب ، كسكونه إلى

--> ( 1 ) آية ( 605 ) سورة الإنسان .